عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
380
اللباب في علوم الكتاب
« لقيت فلانا قبلا ، ومقابلة ، وقبلا ، وقبلا وقبليا ، وقبيلا » . كله بمعنى واحد ، ذكر ذلك أبو زيد ، وأتبعه بكلام طويل مفيد فرحمه اللّه - تعالى - وجزاه اللّه خيرا . وأمّا قراءة الباقين هنا ففيها أوجه : أحدها : أن يكون « قبلا » جمع قبيل ، بمعنى : كفيل ؛ « كرغيف » و « رغف » ، و « قضيب » و « قضب » ، و « نصيب » و « نصب » . وانتصابه حالا . قال الفرّاء « 1 » والزّجّاج « 2 » : جمع قبيل بمعنى : كفيل أي : كفيلا بصدق محمد - عليه الصّلاة والسّلام - ، ويقال : قبلت الرّجل أقبله قبالة بفتح الباء في الماضي والقاف في المصدر ، أي : تكفّلت به ، والقبيل ، والكفيل ، والزّعيم ، والأذين والضّمين ، والحميل ، بمعنى واحد . وإنما سمّيت الكفالة قبالة ؛ لأنّها أوكد تقبّل ، وباعتبار معنى الكفالة سمّي العهد المكتوب : قبالة . وقال الفرّاء « 3 » في سورة الأنعام : « قبلا » جمع « قبيل » وهو « الكفيل » قال : وإنّما اخترت هنا أن يكون القبل في معنى الكفالة ؛ لقولهم : أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا [ الإسراء : 92 ] يضمنون ذلك . الثاني : أن يكون جمع قبيل ، بمعنى : جماعة جماعة ، أو صنفا صنفا . والمعنى : « وحشرنا عليهم كلّ شيء فوجا فوجا ، ونوعا نوعا من سائر المخلوقات » . الثالث : أن يكون « قبلا » بمعنى : قبلا كالقراءة الأولى في أحد وجهيها وهو المواجهة أي : مواجهة ومعاينة ، ومنه « آتيك قبلا لا دبرا » أي : آتيك من قبل وجهك ، وقال تعالى : إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ [ يوسف : 26 ] . وقرىء « 4 » : « لقبل عدتهن » [ الطلاق : 41 ] ، أي : لاستقبالها ، وقال الفرّاء « 5 » : « وقد يكون قبلا : من قبل وجوههم » . وأمّا الذي في سورة الكهف : فإنه يصحّ فيه معنى المواجهة ، والمعاينة ، والجماعة صنفا صنفا ؛ لأن المراد بالعذاب : الجنس ، وسيأتي له مزيد بيان . و « قبلا » نصب على الحال - كما مرّ - من « كلّ » ، وإن كان نكرة ؛ لعمومه ، وإضافته ، وتقدّم أنّه في أحد أوجهه ينصب على الظّرف عند المبرّد .
--> ( 1 ) ينظر : معاني القرآن 1 / 350 . ( 2 ) ينظر : معاني القرآن 2 / 311 . ( 3 ) ينظر : معاني القرآن 1 / 350 . ( 4 ) ينظر : الدر المصون 3 / 159 ، المحرر الوجيز 2 / 335 . ( 5 ) ينظر : معاني القرآن 1 / 350 .